بعد أن ماتت جدَّتي، ماتت داخلي كلّ فَرْحَةٍ يمكن أن تعطيها إمرأةٌ مُخْلِصَة. أحمد بهجت

مساحة إعلانية

على الرغم من سوء الحال

هناك سعادةٌ غامرة في إسعاد الآخرين، رغم ما يمرُّون به من سوء حال. إنّْ المشاركة في الأحزان تساهم في تخفيض الحزن إلى النصف، لكن عندما نتشارك الفرح مع الآخرين فإننا نجعل كميَّة الفرح مُضاعفة.

إلتقت سيِّدتان مريضتان جداً حين شغلتا الغرفة ذاتها في إحدى المستشفيات.

وقد سُمِحَ لإحداهنّ أن تجلس في سريرها خلال فترة بعد الظهر ولمدَّة ساعة يومياً كي تُفرِغ السائل المائع الذي يملأ رئتيها. 

أما السيِّدة الأخرى فكان عليها أن تظلّ مستلقيةً على نحوٍ مستوٍ في السرير.

وقد طال الحديث بين هاتين السيدتين إلى ما لا نهاية.

وكان مِحوَرُ حديثهما عن عائلتهما وزوجيهما، منزليهما، والأمكنة التي كانتا تقصدانها خلال فترة العطلة.....

وعندما تأتي فترة بعد الظهر ويحين موعد السيدة للجلوس وإفراغ ما في رئتيها، كانت تجلس في السرير وتبدأ الحديث مع زميلتها، فتصف لها ما يُمكن أن تراه في الخارج من خلال الشباك المجاور لها. وهكذا كان الوقت يمضي دون أن تشعرا بمروره.

أما السيدة المستلقية في السرير المجاور فكانت تتلهّفُ لسماع حديث زميلتها، أذ كانت تُرَدُ لها الروح حين يأتي الوقت الموعود إذ أنَّ عالمها الصغير الضيِّق سوف يتَّسعُ وينتعشُ حين تبدأ جارتها بوصف ما يجري خارج الشباك بكلِّ ألوانه وتفاصيله.

وقد مرَّ في مخيّلتها ما يجري في المُنتَزَه المجاور والبحيرة الموازية له.

وها هي ترى في خيالها مجموعةً من صغار البطّ تعوم صفاً واحداً وراء أمها ومجموعةً أخرى من طيور البجع تلهو بمنقارها في الماء، بينما يُبحِرُ الأولادُ على متن قواربهم النموذجيّة. أما العاشقون فها هم يتمشون وسط الأزهار الملوّنة يشبكون أيديهم ويتمتعون بألوانها الجميلة ويشاهدون أفق المدينة الذي يبدو بمنظره الخلاب من المسافة البعيدة.  

وفيما وصفت هذه السيدة لجارتها ما يجري وصفاً رائعاً فاتناً كانت جارتها تُغمِضُ عينيها كي يبدو لها المشهد حيّاً بألوانه المتعدِّدة.

وفي أحد الأمسيات وصفت السيدة لجارتها موكباً استعراضياً لفرقةٍ كانت تتجوَّل في الخارج. وعلى الرغم من أنَّ السيِّدة لم تسمع صوت تلك الفرقة، إلاّ أنها رأتها من خلال عقلها الباطني كما وصفتها لها زميلتها وصفاً تصويرياً رائعا. 

ومرَّت الأسابيع والشهور على هذا المنوال.... 

وفي صباح أحد الأيام، أتت الممرضة كعادتها تحمل كل ما يلزم من أجل إجراء الحمّام اليومي لهاتين السيدتين، لتجد أنَّ السيِّدة التي بجوار الشباك ترقُدُ بسلام بعد أن أسلمت الروح فيما هي نائمة. 

وعندما أصبح الوقتُ ملائمًا، سألت السيدة إن كان بإمكانها الإنتقال إلى السرير الآخر حيث كانت زميلتها المتوفاة. وكانت الممرضة سعيدةٌ بإجراء هذا التبديل، وبعد التأكُّد من أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام، غادرت الممرضة الغرفة.

ببطءٍ وألمٍ شديدين، رفعت السيدة كتفها من على السرير كي تلقي نظرةً على العالم الخارجي. واستدارت مُرهقةً مُتعَبة نحو الشباك الذي بجوار السرير. فلم تجد سوى حائطاً فارغ.

وسألت السيدةُ الممرضة عن السبب الذي دفع  زميلتها المتوفية إلى وصف كل ما هو جميل ورائع خارج الشباك !!!

فما كان من الممرضة إلا أن أجابت بأن تلك المرحومة لم تكن سوى سيِّدة عمياء فاقدة البصر......وأضافت: "ربَّما قصدَتْ من كُلِّ ذلك تشجيعك". 

فهناك سعادةٌ غامرة في إسعاد الآخرين، رغم ما يمرُّون به من سوء حال.

إنّْ المشاركة في الأحزان تساهم في تخفيض الحزن إلى النصف، لكن عندما نتشارك الفرح مع الآخرين فإننا نجعل كميَّة الفرح مُضاعفة.

المواضيع: السعادة, المرض, التشجيع, الفرح, الألم, الأمل, العقل الباطني, التفاؤل, Despite the abuse case

طباعة

إنضمي إلينا

صفحتنا على الفيسبوك

صوّتي الآن

إحصاء

هل فكرت كيف ستحسن بداية العام الجديد؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote: