fbpx

  الحالمون لا يمكن ترويضهم. باولو كويلو 

لن أنساهم

للتاريخ وكي لا ينسى الزمن "الذي أصبحت ذاكرته ضعيفة" صنيع هؤلاء الناس

وكي لا تتناثر فضائلهم وتذهب أدراج الرياح. أحكي سيرة حياة طاقم من الناس كانوا مثالاً يُحتذى به. جماعة آمنوا وعملوا بإيمانهم، فكانت مسيحيتهم امتياز إذ طبقوها على الأرض كما في السماء.

للتاريخ وكي لا ينسى الزمن "الذي أصبحت ذاكرته ضعيفة" صنيع هؤلاء الناس

وكي لا تتناثر فضائلهم وتذهب أدراج الرياح. أحكي سيرة حياة طاقم من الناس كانوا مثالاً يُحتذى به. جماعة آمنوا وعملوا بإيمانهم، فكانت مسيحيتهم امتياز إذ طبقوها على الأرض كما في السماء.

حقبة من الزمن امتدت بين 1890-1965 تجمع أطباء، ممرضات ممرضيين، صيادلة، مـِخبريين، أخصائيي أشعة، معلمين ومعلمات في كل مجالات التعليم، تجمعوا ليحزموا أمتعتهم ويشدوا الرحال، قاطعين المسافات من الدول الاسكندنافية إلى.... مدينتي.

لذلك شهادتي صادقة وشفافة ومعاصرة لحيثياتهم سواء من الجيل السابق كالأجداد،

الى الجيل الرابع الذي أنا عاصرته وكل من يذكر تلك الحقبة يتحسر على غيابها

ويَحِنُ ويترحم على تلك المآثر. ذكراهم عذب، وآثارهم لا زالت تقطر دسماً، أقلها صقل عقول أهل المدينة وتهذيبهم والعمل على الارتقاء بهم لمستوى قبول الآخر.

بنوا مستشفى ما زال الحجر ينطق كان له مدخلاً لمساحة كبيرة جداً من الأمتار التي قـُسمت بدراية وحكمة للمزيد من الاستفادة. فبعدما ندخل من خلال القوس الذي نـُقشت عليه هذه العبارة "فتحنن الرب عليهم وشفى مرضاهم" نرى بيوت الحراس والسائقين، ثم العيادات الخارجية، المختبر والصيدلية، وإلى اليسار مبنى الأطباء ويتصدر المكان المشفى بكافة أجنحته مع غرف الأشعة وما يتبعها....

كان يُلقب الطبيب "الله على الأرض" إذ قبل كل عملية جراحية يركع ويصلي طالباً المعونة من فوق كي لا يعزو الفضل لنفسه. وهو والممرضات معه في الدورة وفي السهر والعمل الليلي حيث يقضون الليل ساهرين على راحة مرضاهم بكل رضاً والبشاشة لا تفارق وجوههم وبكل الحب لذلك يتجرع المريض الشفاء ممزوجاً بالحب وفمه ينطق بالامتنان والشكر وهو يرقص فرحاً وكل هذا مجاناً.

كانوا مكتفين ذاتياً أي من مزارعهم ولحومهم وأبقارهم ومنتجاتها كلها تكفي وتفيض

وتوزع للعاملين وأسـَرِهم. ولا ننسى الملاعب للأولاد والكبار.... كرة المضرب وكرة السلة والأراجيح... وكافة مستلزمات الترفيه لكل العاملين وأسرهم وأولادهم.

أما في وسط المدينة أسسوا مدرسة ودار للعبادة وبناء سكن للمدرسين وآخـر للطالبات الغريبات عن البلد يأتين من محافظات بعيدة طلباً للعلم والمعرفة، هنا وجدوا ضالتهم المنشودة لتأسيس حياتهم وبنائها على أسسٍ صحية متينة صالحة.  فكانت أفضال هؤلاء الناس لا تُحصى ولا تــُعد على كافة الأصعدة وفي مختلف المجالات.

 وحتى المدرسة ...أجيالاً نالت العلم والمعرفة مجاناً وكان التعليم بأمانة وعلى أيدٍ متمرسة مختصة ومستوى رفيع سواء باللغة أو الرياضيات أو العلوم الإنسانية، والرسم والموسيقى. تعاقدوا مع أساتذة أكفـّاء همهم تربية الأجيال ورفع مستوى الانسان واليد العاملة في مجال العمل وكثفوا منها وشغلوا الجميع دون استثناء أو محاباة. لم يسألوا عن الاختلاف الديني أو العرقي أو المذهبي. الكل يعمل والكل يستفيد ويُفيد ولم يعد هناك أي احتياج وكان الله يعمل معهم ويباركهم. وقد استقطبوا الطلاب من كافة الأرياف لتعـلــّم الأمور المالية والإدارية والحسابية والتعليمية والتربوية وكافة المجالات.

فعم الفرح والرقي والشفاء الداخلي والجسدي وفتحت آفاق واسعة أمام الجميع دون استثناء للسفر والاختصاص. وتعاقبت الأجيال وكل بيت في هذه البقعة من بلدي من الجيل القديم إلى جيل الستينات يُشيد بمآثر هؤلاء الناس فمن تعلم ومن نال الشفاء ومن عمل والكل مستفيد إذ مارسوا مدنيتهم وحضارتهم ورقيهم.

ولا أنسى في ليالي الاعياد حيث كانت تجوب سياراتهم الشوارع قارعةً كل باب دون استثناء لتقديم الهدايا من السكر والدقيق و"الكوكيز" والثياب الصوفية للتدفئة يقدمونها بفرحة العيد متمنين أعياداً سعيدة للجميع.

وهكذا أنعم الله على هذا الوطن بهؤلاء الناس ليرتقوا بهم وبأفكارهم وليسموا بسلوكهم ونظرتهم للآخر وليعيش بعد ضيق ذات اليد ببحبوحة وبعد العوز إلى الاكتفاء. لكن هذا العطاء والبذل صُعقَ عند التماس والتصادم بأمور عكسها واتجاه آخر معاكس. ففاجأنا المسؤولين على التلفاز معلنين: أننا استولينا على الأوقاف الاسكندنافية. فنحن بحاجة إلى أطباء ومدرسين. ولم تنفع الوساطات لابقاء العاملين إذ كان في البلد نائبان في البرلمان توسلوا لبقائهم  لكنه كان مرسوماً رئاسياً لاعودة عنه.  فشدوا رحالهم وتركوا كل شيء. بحضورهم  كانوا أعزاء وكبار وكرماء. وبرحيلهم أيضاً أعزاء وكبار النفس. فتركوا مكتبةً ومعدات طبية تقـدّر بالملايين، عدا المباني كالمشفى والمدرسة وهذه المسافات الواسعة من الحقول والبساتين فهنيئا لمن أخذ.....لكنها ما زالت تنطق باسمهم إلى الآن وبعد مرور هذا الزمن وتــُسمى الأشياء بمسمياتها وهيهات أن ينسوهم أهل البلد لأن مدارسهم تنطق بأسمائهم وأخلاقياتهم طبعت بطابعهم  وبُنيت على تلك الأسس، وقيمهم استمدوها من هذا الفيض وأدبياتهم زاخرة من هذا النبع النقي الفياض.

هذه سيرة ذاتية لأُناسٍ وليس لإنسان وحده.... أناس تعددت جنسياتهم لكن عملهم واحد.....  كانوا قدوةً وذخراً ومثلاً يُحتذى به بالتفاني.... والتفاعل.... والتضحية..... والعطاء. لن ننساهم وسنذكرهم بكل الحب مهما طال الزمن...

المواضيع: العلم, نوال, لن انساهم, المرضى, المرض, السهر, المريض, الشكر, المعرفة, التضحية, العطاء

طباعة

إنضمي إلينا

صفحتنا على الفيسبوك

شاركي برأيك

هل تقرأين أي "كتاب" هذا الاسبوع؟